سيد محمد طنطاوي

126

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قالوا : هو يقول الذي يزعم محمد أنه أنزل عليه ، ثم ضربوه حتى أثروا في وجهه . . وفي هذا دليل على أنها مكية . . « 1 » . والحق أن ما ذهب إليه الإمام القرطبي من كون سورة الرحمن مكية ، هو ما تطمئن إليه النفس ، لأن السورة من أولها إلى آخرها فيها سمات القرآن المكي ، الذي يغلب عليه الحديث المفصل عن الأدلة على وحدانية اللَّه وقدرته وعظم نعمه على خلقه ، والمقارنة بين حسن عاقبة الأخبار ، وسوء عاقبة الأشرار . . . 3 - وعدد آياتها ثمان وسبعون آية في المصحف الحجازي ، وست وسبعون في المصحف البصري . 4 - وتبدأ السورة الكريمة بالثناء على اللَّه - تعالى - ، ثم بالثناء على القرآن الكريم ، ثم ببيان جانب من مظاهر قدرة اللَّه - تعالى - ، ومن جميل صنعه ، وبديع فعله . . قال - تعالى - : الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ . خَلَقَ الإِنْسانَ . عَلَّمَه الْبَيانَ . الشَّمْسُ والْقَمَرُ بِحُسْبانٍ . والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ . والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ الْمِيزانَ . أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ . 5 - وبعد أن ساق - سبحانه - ما ساق من ألوان النعم ، أتبع ذلك ببيان أن كل من على ظهر هذه الأرض مصيره إلى الفناء ، وأن الباقي هو وجه اللَّه - تعالى - وحده . . . وببيان أهوال القيامة ، وسوء عاقبة المكذبين وحسن عاقبة المؤمنين . . قال - تعالى - : يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأَقْدامِ . ولِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّه جَنَّتانِ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ . ذَواتا أَفْنانٍ . 6 - ثم وصفت ما أعده اللَّه - تعالى - للمتقين وصفا يشرح الصدور ، ويقر العيون ، فقد أعد - سبحانه - لهم بفضله وكرمه الحور العين ، والفرش التي بطائنها من إستبرق . قال - تعالى - : حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ . لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ ولا جَانٌّ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ . مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ . تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ والإِكْرامِ . وهكذا نرى السورة الكريمة تطوف بنا في آفاق هذا الكون ، فتحكى لنا من بين ما تحكى - جانبا من مظاهر قدرة اللَّه - تعالى - ونعمه على خلقه - وتقول في أعقاب كل نعمة

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 17 ص 151 .